الرئيسية / العرب والعالم / مراجعة المسارات
061511190621jnmoqmm

مراجعة المسارات

طارق عبد الغفور

الدعوة التي أطلقها بعض السوريين العاملين في الشأن العام، ومنهم من كان له وما زال موقع في الائتلاف الذي من المفترض أنه يقود مسيرة الثورة المطلوب تصحيح مسارها، هذه الدعوة لا غبار عليها وإن جاءت متأخرة على قاعدة أن تجيء متأخراً خير من أن لا تجيء أبداً.
وقد ذُيلت هذه الدعوة بأسماء نحو من أربعين شخصاً، ولا ندري إن كان عددهم قد ازداد بعد أن طُلب ممن يرغب أن يُضيف اسمه إذا كان يوافق على محتوى تلك الدعوة مما يطرح سؤالاً هاماً، هل دعوة تصحيح المسار هذه هي مطروحة للنقاش، ويستطيع كل مهتم بالشأن العام أن يُدلي فيها بما يراه خدمةً للمطلوب من تصحيح المسار، أم أن من وردت أسماؤهم في ذيلها هم الذين صاغوها، أم أن بعضهم هو الذي فعل وما على الذين يرون ما يرون إلاّ أن يوافقوا على ما جاء فيها ويضيفوا أسماءهم؟
وربما لم تكن هذه النقطة بأقلّ أهميةً من نقاط أخرى وردت في تلك المراجعة التي طلب كاتبو البيان أن يكون الحديث عنها بدون مكابرة أو انكار أو مواربة بل وبشجاعة أخلاقية ومسؤولية وطنية، إلا أن حقيقة الحال تُبيّن أن كاتبي البيان لم يكونوا على القدر الذي أرادوه من الشجاعة الاخلاقية والمسؤولية الوطنية وآية ذلك:
أولاً– في مراجعة المسارات لا يجب أن يُكتفى بطرح الاسئلة بل لا بد من تقديم الأجوبة عليها، وفي التحليل الجيد لظاهرة العسكرة التي أصابت الثورة أحجم كاتبو البيان عن الذهاب إلى الحد الواجب من الشجاعة فذكروا وهم المراهنة على جبهة النصرة و»أخواتها»، فمن هم الذين راهنوا على جبهة النصرة، ومن هم أخواتها؟ إذا أردنا المراجعة بدون إنكار وبلا مواربة وبشجاعة، فإنه يجب أن نسمي أخواتها بالاسم ونخضع الجميع لما أخضعنا له جبهة النصرة، ويجب أن نسمي الدول التي أنشأت الفصائل العسكرية ذات الخلفية الايديولوجية الإسلامية المتشددة ونسمي هذه الفصائل، وإلا فقد ضاعت الشجاعة الأخلاقية والمسؤولية الوطنية، ودخل كاتبو البيان في دهاليز الدبلوماسية التي لن تساعد على تصحيح المسار.
ثانياً– إن إجمال الدول الصديقة في الامتناع عن إقامة المناطق الآمنة، وعدم دعم الفصائل العسكرية بالسلاح النوعي يسهم في ضياع المسؤولية عن ذلك، وتبقى الحقيقة التي لا يُجادَل فيها أن المسؤولية هنا تقع على الإدارة الأمريكية أساساً ثم على بقية «الاصدقاء» الذين لا يملكون القدرة على اتخاذ قرار منفرد ويأتي الإخوة قبل الأصدقاء، وعدم ذكر الإدارة الأمريكية بالاسم لا هنا ولا في أي مكان آخر من البيان كما ذُكر اسم روسيا – ناهيك عن إيران – يثير تساؤلات ليست في صالح كاتبي البيان وتشكل ثغرة تنال من مصداقيته.
ثالثاً- جاء في البند السادس من البيان الذي خُصّص لذكر قضية الإخوة الكرد إن الأمر يتطلب صوغ خطابات «لا تُعادي الصيغة الفدرالية»، إني أعتقد أن تبني أية مفردة كمفردة الفدرالية قبل انتهاء الأزمة السورية إنما يُعطي إشارات سلبية تصبّ مجاناً في مصلحة الذين يفكرون في اللعب على هذا الحبل لتقطيع أوصال سورية خدمة لغيرهم، والسوريون الذين تجمعهم سوريتهم يستطيعون الوصول إلى الحلول التي ترضي جميع مكوناتهم بدون تدخل من أية قوة خارجية، واليد الأمريكية التي لا يراها كاتبو البيان واضحة البصمة هنا.
رابعاً- وأمر آخر، يقول كاتبو البيان إنهم يشتغلون على بناء كيان سياسي للسوريين يعترف فيه بعضهم ببعض، ويجتمعون على الهدف الأساسي للثورة بعيداً عن العصبيات الايديولوجية أو الهوياتية أو الدينية، وإذا كان الأمر كذلك فما معنى أن يؤكد كاتبو البيان سعيهم للحفاظ على الائتلاف، وإن كان على قاعدة تطويره وتوسيع تمثيله وتعزيز فاعليته واستقلاليته، ولماذا إذن بناء الكيان الجديد؟ ولماذا لا يبذل جهد بناء الجديد في تطوير وتوسيع وتعزيز القديم، فيكون بذلك جديداً؟ أم أن ذلك يندرج تحت مقولة «رِجلٌ في الفلاحة ورِجلٌ في البور» باعتبار ما هو كائن من عضوية بعضهم في الائتلاف؟
خامساً– يقول كاتبو البيان إن الأمر يتطلب إنشاء جيش وطني يضع حداً للفصائلية، ويأخذ في اعتباره مراعاة الأوضاع السياسية الدولية والإقليمية، فهل يدعو الكاتبون الجيش الوطني الجديد إلى أن يكون مهنياً أم تكون له يدٌ في السياسة؟ أولا يكفي ما كان حتى الآن؟ ثم من الذي سينشئ هذا الجيش؟ ومن الذي سيقوده؟ ولمن سيتبع؟ وممن يتشكل؟ وما علاقته بالجيش الموجود الآن؟ وما علاقة الفصائل المقاتلة به؟ قد يجيبنا هؤلاء بأن هذه أمور تفصيلية فنية تدرس في حينها، فنقول: وما هي المراجعة إذن؟
سادساً– في البند التاسع من البيان ما يثير الدهشة حقاً، إذ ما معنى أن يقوم الحل التفاوضي أو الانتقالي على معادلة أن لا أحد يربح ولا أحد يخسر، لا النظام ولا المعارضة، ثم يأتي بعد ذلك الدستور الجديد الذي يضمن حقوق المواطنة في دولة مؤسسات وقانون واحتكام إلى قواعد الديمقراطية لأن أي حلٍ آخر لا يصبّ في هذه المسارات سيعني استمرار الواقع الراهن، ولا سيّما أن إعادة إنتاج النظام القديم أصبحت غير واقعية. فكيف لا يخسر النظام إذا ما سارت الأمور على هذا النحو وكيف لا تربح المعارضة؟؟ وما معنى إذن أن لا أحد يربح، ولا أحد يخسر؟؟ ومن المقصود تطمينه هنا؟ أم ترى وقد اقتربت محادثات آستانا التي يريد لها الروس أن تكون بين السوريين يريد السوريون تطمين بعضهم البعض؟
هناك من النقاط مما لم نأتِ على ذكره لضيق المجال لكن لا بد من القول إنه وفي نهاية المراجعة يطلب الكاتبون من المعارضة بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية أن تُجري هي المراجعة النقدية المسؤولة لأوضاعها، فماذا فعلوا هم؟
هذه المراجعة أثارت من الأسئلة أكثر مما قدمت من الأجوبة، وهي كما أراها لم تكن مراجعة بقدر ما كانت استباقاً لأحداث قادمة أزعم أن بعض الموقعين الأساسيين عليها يريدون أن يسجلوا نقاطاً تُحسب لهم فيقولوا لقد قلنا هذا من قبل، ثم لا يخسروا ما بأيديهم على القاعدة المذكورة آنفاً. أيتها الثورة كم من الأخطاء – ولا نقول غير ذلك – تُرتكب عمداً باسمك.

شاهد أيضاً

alegre-655x330

من ذاكرة الرقة.. وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

نبيل الفواز تناقلت وسائل الإعلام مؤخراً، تصريحاً لوزير خارجية الجزائر، مفاده: (أن ما يجري في ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *