الرئيسية / العرب والعالم / من ذاكرة الرقة.. وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
alegre-655x330

من ذاكرة الرقة.. وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

نبيل الفواز

تناقلت وسائل الإعلام مؤخراً، تصريحاً لوزير خارجية الجزائر، مفاده: (أن ما يجري في مدينة حلب مؤخراً، من تدمير وقتل وتهجير للأهالي، أمر يتعلق بسعي سلطة الأسد لبسط نفوذها على كامل أرضها، وهو أمر سيادي، وحق لها تمارسه..؟!!
أمر عجيب وغريب، صدور مثل هذا التصريح من قبل نظام، يُفترض به تمثيل شعب، قدم على مذبح الحرية والاستقلال أكثر من مليون ونصف المليون شهيد.
منذ بدء ثورة الحرية والكرامة في سوريا، اتسم الموقف الجزائري بالغموض في سلوكه، أي كما يقولون (في المنطقة الرمادية) بل كان أقرب إلى نظام الأسد منه إلى الثورة، وأشيع عنه، أنه قدّم عتاداً وسلاحاً، بل مجموعة من طياري سلاح الجو الجزائري في إحدى المراحل، ووصل الأمر إلى ملاحقة وكم أفواه بعض المعارضين السوريين المقيمين في الجزائر، ورفضه منذ بداية الثورة قبول لاجئين سوريين على أراضيه.
إن مرحلة حكم الرئيس بوتفليقة (القابع في كرسيه إلى الأبد)، اتسمت بطابعين أساسيين منذ توليه السلطة، (الأفرقة) أي التوجه أفريقياً بعيداً عن الحاضن العربي، (والأوربة) أي إلحاق الجزائر بأوربا بعيداً عن الإطار الجغرافي المغاربي، وهو نظام يماثل إلى حدّ بعيد نظام (الأسد) من حيث قمعه الشديد للمعارضة الجزائرية، وتقييد الحريات، وهيمنة المؤسسة الأمنية والعسكرية على مفاصل السلطة. إن دفاع النظام الجزائري عن النظام السوري هو دفاع عن الذات، فالمصير واضح، والتاريخ لا يرحم، ومن ذاكرة الرقة، إحدى المناطق السورية، نود أن نضع أمام الإخوة في الجزائر لمحة عاجلة عن مستوى التعاطف والتأييد والدعم الذي قدّمه شعب الرقة السوري منذ اندلاع الثورة الجزائرية منتصف الخمسينيات، وحتى مطلع الستينيات، أي الاستقلال، ليدركوا مدى الفارق بين موقفنا وموقفهم، سلوكنا وسلوكهم، فشعبنا السوري تاريخه تاريخ عطاء لا ينضب لنصرة الحق ولنصرة المظلوم.
مع بدء الثورة الجزائرية، استقر تقليد سنوي في الرقة، موعده الربع الأول من العام تحت عنوان كبير (أسبوع الجزائر) نصرة للجزائر، مخصص لدعم الثورة الوليدة.
ومن أبرز الفعاليات آنذاك، تشكيل لجنة موسعة من رجال الدولة، ووجهاء المدينة وشيوخ العشائر وشخصيات أدبية وعلمية مهمتها جمع التبرعات المالية نصرة للثورة الجزائرية.
وعادة يكون الإقبال على التبرع كبيراً وعلى امتداد الأسبوع، وبالتوازي استقر التقليد لدى النساء على تشكيل لجنة من السيدات الفاضلات مدينة وريفاً، تجول على المنازل في المدينة والريف لجمع التبرعات من النساء، ويكون مردودها عالياً، خصوصاً تبرعات الحلي والمجوهرات (حتى قيل إن أغلب النساء يمسين وأياديهن خاليات من أية مصوغات)، وكان اسم المناضلة الجزائرية المعتقلة لدى سلطات الاحتلال الفرنسي آنذاك (جميلة بوحريد) على كل شفة ولسان، وكرّمت بإطلاق اسمها على أحدث مدارس الرقة للإناث آنذاك ولا زال هذا الاسم باقياً حتى اليوم.
وقفة عز للرقة وأهلها، وهذا الأسبوع ليس استثنائياً، فقد كانت تقام أسابيع مماثلة آنذاك، مثل (أسبوع التسلح) لدعم الجيش الوطني السوري الوليد، وأسبوع (معونة الشتاء) لدعم سكان القرى الأمامية على الحدود مع (إسرائيل)، وكذلك التبرعات للإخوة الفلسطينيين الموجودين على الأراضي السورية.

هكذا كانت سوريا، وهكذا كانت الرقة، نبع عطاء لا ينضب.
إن المجرم حسن نصر الله وسكان الجنوب اللبناني، يعرفون جيداً من قدّم لهم يد العون في ظرف لم يتمكن فيه أحد من مساندتهم، وكذلك حال من قدم لاجئاً من العراق، ووجد في هذا البلد المأوى والملاذ، وبعد ذلك عادوا إلينا غزاة ليمارسوا القتل والحرق والنهب بحق هذا الشعب، فكان هذا (جزاء سنمار) كما يقال، فتباً لهم.
وبالعودة إلى مظاهر أسبوع الجزائر، وددت أن أسرد لكم هذه الواقعة: لقد كان ختام هذا الأسبوع مسكاً كما يقال، ولعدة أعوام، هي أعوام الثورة الجزائرية، حيث يتم التداعي لمهرجان كبير يقام في الجامع الحميدي بالرقة، تحضره كافة الفعاليات وشرائح المجتمع الرقاوي، تلقى فيه خطب قصيرة، ويختتم بمزاد علني على قطع فنية أو قطع سلاح وغيرها من التبرعات الثمينة، ويكون العائد المالي كبيراً عادة، وينتهي الاحتفال بإقامة صلاة على أرواح شهداء الثورة الجزائرية.
وأذكر في هذا المقام ما جرى في مزاد عام 1958 عندما عُرضت لوحة فنية جميلة للشهيد عدنان المالكي، الضابط السوري البارز في هيئة الأركان للجيش السوري الوطني، والذي اغتالته عصابة (الحزب القومي السوري الفاشي) في منتصف الخمسينيات، كانت اللوحة تتصدر الحفل، وكان حجمها كبيراً، ومع بدء المزاد العلني لشراء اللوحة، تتالت الأصوات من بين الحضور، تزيد في قيمة تلك اللوحة، وفجأة رفع أحد الحضور يده عالياً، وهو يقول (علي بكذا)، لا أذكر الرقم بالتحديد، لكنه كان كبيراً، يعادل قيمة عقار سكني آنذاك، وقد رحب الحضور بهذا الموقف الكريم لهذا الرجل الفاضل من أهل الرقة، وزاد في ذلك أنه تبرع باللوحة لصالح الدولة.

أخبرني أحدهم لاحقاً، أنه سأل ذلك الرجل الطيب عن سبب تبرعه الكبير، فأجابه بطيبة وتواضع، هي طيبة أهل الرقة وطبيعتهم المتواضعة (والله يا ابني لو كان لديّ مال أكثر لقدمته غير نادم، ولكن هذا ما كان بحوزتي آنذاك، وما العجب في ذلك؟ أليس أهل الجزائر إخوة لنا في العروبة والدين).
رحم الله ذلك الرجل الطيب.
ذكر لي أحد الأصدقاء، أنه ذهب لتأدية فريضة الحج عام 2014 مع مجموعة من حجاج الرقة، وأثناء طوافهم حول الكعبة المشرفة، أخذ منهم التعب والعطش، فاتخذوا لأنفسهم ركناً في الحرم للراحة قليلاً.
قال لي والألم باد على محياه: للصدفة كان يجلس بجوارنا مجموعة من الحجاج، علمنا أنهم من الجزائر، وحين توجهوا إلينا بالسؤال عن بلدنا، أجبناهم بأننا قدمنا من سوريا، تعالت أصواتهم بالشتم على الثورة السورية، وعلى الثوار الخونة، عملاء إسرائيل (حدث هذا في الحرم المكي كمفارقة)، قال لي: اضطررنا على مغادرة المكان على عجل تفادياً لما قد يحصل، وفي المساء، حين عدنا إلى مقر إقامتنا، كانت المفاجأة، أن أولئك الحجاج الجزائريين كانوا جيراناً لنا. وهذه مصيبة، فطلبنا من مسؤول مجموعتنا تأمين مكان بديل بشكل عاجل تحاشياً لأي صدام قد يقع، وهذا ما حدث.
وبالمناسبة لقد كان ذلك الصديق أحد أبناء الرقة من الذين تطوعوا للذهاب إلى الجزائر، بعد الاستقلال عن فرنسا، ضمن البعثة التعليمية السورية لنشر وتعليم اللغة العربية لأطفال الجزائر (التعريب)، وأمضى هناك عدة سنوات.
ذاك كان حال وزير خارجية الجزائر وتصريحه المشين، وهذا حال عينة من شعب الجزائر، فأين الخلل؟!
هل أصبحت مقولة بلاد العرب أوطاني تفتقد إلى المصداقية، مسألة يجب التفكير فيها ملياً مستقبلاً.

شاهد أيضاً

061511190621jnmoqmm

مراجعة المسارات

طارق عبد الغفور الدعوة التي أطلقها بعض السوريين العاملين في الشأن العام، ومنهم من كان ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *