الرئيسية / أخبار محلية / وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان
984309_10206377936835647_5123348491036644477_n

وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان

لم يكن يخطر ببال مهندس المكيانيك «بدر الدين المطر» في يوم من الأيام أن يترك مدينة الرقة رغم كل القصف الذي طالها، ورغم السواد الذي التحفها بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها، وفرض تشريعات جائرة بحق أهاليها بدءاً من حرياتهم العامة، وصولاً إلى الحريات الخاصة.
كيف سيترك مدينته، وهو الذي اعتاد على التعمّد بطين شواطئ فراتها، ليكتسب سمرةً فوق بشرته؟ وكيف سيترك تلك السهول على ضفاف الفرات حين كان يمارس هوايته بركوب الخيل، مستمتعاً بسباقٍ مواجهٍ للريح وعكس اتجاه جريان النهر، يتطاير فيه شعره وعينه ترقب الجهة الغربية من المدينة؟.
أرصفة المدينة وحجارة أسوارها، وتربتها التي عُجنت بدماء الشهداء كانت تجعله يرفض أي فكرةٍ عن المغادرة، أصوات إخوته تنخر في رأسه، وصوت أبنائهم يعذبه أكثر، وصور الرؤوس المقطوعة في الساحات العامّة تؤرق منامه.
حين انحدرت الحافلة التي تقله ومن معه جسر الفروسية، واتجهت غرباً، أدار وجهه إلى الجهة المقابلة محاولاً عدم النظر إلى نادي الفروسية المحبب لقلبه، بينما يحاول عدم النظر أيضاً إلى تلك العمائم السوداء التي تمتلئ بها الحافلة.
في مدينة مرسين التركية كانت إقامته الأولى، استأجر بيتاً وفرشه بما يناسب تغريبته الأولى عن الفرات، وفي الليل حين يضع رأسه على الوسادة يشعر بأن سقف غرفته سيطبق على صدره في أية لحظة، بينما يُخيل إليه أن المبلغ المالي الذي بحوزته يعاتبه، فقد باع من أملاكه دكاناً في مدينته كي يستطيع العيش في بلدٍ غالٍ كتركيا دون أن يضطر لمد يده التي اعتادت العطاء لمنظمات الدعم الإغاثي، افتتح مطعماً صغيراً يساعده على البقاء، وكما هو معروف كان طاقم العمل لديه من السوريين الذين أجبرتهم ظروف الحرب على النزوح، تعامل معهم كإخوة له، واستمع لمشاكلهم للتقرب منهم أكثر، وفي مساء يومٍ ما دخل إلى مطبخ المطعم مصادفة قبل إغلاقه ليجد بعض العاملين لديه يأكلون من فضلات الطعام التي تركها الزبائن، جن جنونه لتلك الحالة التي وصل إليها السوريون، فجمع العمال جميعهم، وخصص لهم ثلاث وجبات يومياً مما تشتهي أنفسهم وتحب، إضافة إلى رفع أجور العاملين جميعهم بزيادة يومياتهم خمس ليرات تركية إضافية، كان من بين العاملين لديه من أصحاب الشهادات الجامعية، المهندس والمدرس الجامعي، ولطيبة خُلقه ودماثة أخلاقه طلب منهم الاقامة في منزله كونه يعيش لوحده بعد أن اكتشف بعضهم ينامُ في سقيفة المطعم بعد إغلاقه، وخصص لهم غرفة في المنزل وسمح لهم بالبقاء فيه، واستخدام كل موجوداته.
في إحدى الأمسيات وبينما كان يبدل ملابسه أمامهم، سقطت من جيبه رزمة كبيرة من الدولارات لفتت انتباه من معه، وقد انتبه إلى هذا الأمر، فحاول إخبارهم أن هذا المبلغ أمانة لديه، وسوف يوصلها لصاحبها خلال أيام قادمة، لكن ضعف النفوس أمام المال الكثير جعلهم يفكرون بطريقة شيطانية للحصول على ماله دون أن يدري أو يشعر أن من قدّمَ لهم العمل والبيت والخبز والملح يفكرون في تصفيته لأجل المال، وفي غفلة منه طعنه أحدهم بسكين، وهجم عليه الآخر بطعنة ثانية، فوقع أرضاً مضرجاً بدمائه، وعيناه تعاتبهم على فعلتهم، بعد أن تأكدوا أنهم حصلوا على المبلغ بالكامل وهو بحدود أربعة آلاف دولار، لاحظ أحدهم أنه ما يزال حياً، فعاجله بطعنة أخرى، كانت الطعنة كافية للقضاء على حياته، ولإبعاد الشبهات عنهم حملوا الجثة إلى خارج المنزل، وتم رميها على مسافة بعيدة بالقرب من إحدى السيارات المتوقفة، وحين اكتشفت الجثة صباح اليوم التالي تابع الأمن التركي القضية، واستطاع خلال يوم واحد من إلقاء القبض على الجناة، وتقديمهم للمحاكمة العادلة بعد اعترافهم بجريمة القتل العمد والتمثيل بالجثة لأجل السرقة، بعد أشهر من المحاكمات صدر القرار بالحكم على اثنين منهم بالسجن المؤبد، أما الثالث فقد حكم عليه 24 سنة سجن.
هذه قصة أحد السوريين الذين حاولوا رفع المعاناة عن أبناء جلدتهم ووطنهم ومشاركتهم رغيف الخبز.
رحم الله شهيد الإنسانية بدر الدين المطر

شاهد أيضاً

16112032_943900779043560_995866914_n

المنصة المدنية تعقد مؤتمرها السنوي في أورفا

وضع آليات عمل لأسس الانتقال السياسي في سوريا الحرمل – خاص عقدت المنصة المدنية السورية ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *