ملح الأرض..!

منذ اندلاع الثورة السورية، عقدت العزم أن أكون بمنأى عن أي نقاش له أبعاد طائفية أو مذهبية أو عرقية، وكنت قبل ذلك أرى النقاش ضمن هذه الدوائر، لا يتعدى النقاش البيزنطي، الذي لا يقدم ولا يؤخر، وغير المثمر، خصوصاً أنه لا يضيف شيئاً جديداً لحراك ثورة الحرية والكرامة، بل هو يزيد في شق الصف، الذي هو أساساً متداعٍ قابل للسقوط في أية لحظة.
ما يثير حزني ما أوصلنا إلى هذه الحالة من الفرقة والتناحر والتعصب الأعمى، خصوصاً ما يتعلق بالعلاقة بين المكون العربي والكردي، وما يتنطع لقيادته من يحسبون أنفسهم من النخب الثقافية والفكرية في إثارة هذه الخلافات التي لن تؤدي إلا لمزيد من البغضاء والكراهية بين الطرفين، أما لماذا؟ فهي تأخذ الجميع إلى صراع لا ينتهي، صراع عبثي لا طائل منه.
المتحاورون من الكورد ينظرون إلى العرب، العاربة منهم والمستعربة، على أنهم دواعش أو بعثيون شوفينيون، وبالمقابل ينظر العرب إلى الكورد قاطبة على أنهم عنصريون، وبيدا وبككا، وما بين هذا وذاك سيل من الشتائم المتبادلة، وإنكار لوجود الأخر وإقصائه وتهميشه تحت ذرائع شتى، وانعدام الثقة المتبادل، رغم أن ما يجمع العرب والكورد كبير جداً، يبدأ بالمصاهرة والعيش المشترك، والحب المتبادل، والصداقة والأخوة والعشرة الطويلة الدائمة على مرِّ سنوات طوال، تقاسموا فيها مرارة العيش، وذل نظام همّش العرب قبل الكورد، نظام اعتبر الكوردي والعربي مجرد عبيد في مزرعته، يُعطي من يشاء، ويمنع عن آخر ما يشاء.
طبعاً هذه القطيعة وفرت وجود متعصبين من الطرفين يقودون قطعان من الموتورين، الذين هم على أتم الاستعداد لمضاعفة أوار هذه النار المشتعلة بين الطرفين، أما كيف علينا إخمادها، وهذا هو الأهم في هذه المرحلة التي تشتد فيها أزمة السوريين، وتزداد فاتورة الدم المدفوعة من الشعب الأعزل الذي يواجه صنوف الموت على أيدي عتاة هذا العصر، ممن أوغلوا في دماء السوريين الأبرياء، فماذا نحن فاعلون؟!
الإخوة الكورد ليسوا مجرد عابرين، هم يحتاجون إلى بذور جديدة للثقة، وعلينا جميعاً عرباً وكورداً الاعتراف بأخطائنا أولاً، وبحقوق جميع المكونات السورية بدءاً بالكورد والعرب وانتهاء بأصغر مكون في سوريا، والاحتفاء بلغات وثقافات وعادات وتقاليد الشعوب التي تقاسمنا حياتنا، وبالضرورة أن ننتهي من هذه الفتن، التي ظاهر بعضها حقٌ يُراد به باطل، وهنا لا أريد أن يسجل بأنني أبحث عن مبررات لأخطاء وقع بها الكورد، أو أخطاء وقع بها العرب من قبل، لكن بالضرورة يجب أن أبحث عن المشترك الذي يجمعني بالآخر، الآخر الذي فقد الثقة بي، وفقدت الثقة به.
إذا انتهينا من هذه النزاعات التي وقعنا بها صاغرين، سنكون بالتأكيد في الطريق الصحيح لبناء سوريا جديدة، يكون فيها الأكراد والعرب، وجميع المكونات الأخرى متمثلين صورة الإنسان أولاً بما يحمل من أفق حضاري، يعيد بناء بلده على أسس حضارية ضمن دولة القانون، التي يتساوى فيها الجميع، فهلّا نحن فاعلون؟؟!

شاهد أيضاً

ترك برس 10_4

أعباء السوريين الإضافية..! برسم الحكومة التركية

(1) سجل الارتفاع المفاجئ مؤخراً لفواتير الكهرباء في مدينة شانلي أورفا والمدن والبلدات التابعة لها ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *