• كاريكاتير للفنان ناظم الصغير

الرئيسية / تقارير إخبارية / قِفا ودِّعا أورفا.. ومن حلّ بالحرمل!

قِفا ودِّعا أورفا.. ومن حلّ بالحرمل!

أينما حلّ السوري فعينه على بلاده، ومهما بَعُد المُلتَجأ فإن حلمه الأكيد هو سورية، ومهما طال العذاب، فإن سورية هي الهدف القريب، والهدف البعيد!
وما رحيل السوري من منفى إلى آخر، إلّا انتقال من عذاب قديم إلى عذاب جديد، ذلك الرحيل من بلاد، ومن لغة، ومن تحديات اللجوء الحاضرة.. إلى بلاد جديدة، وإلى لغة جديدة، وإلى مدن جديدة، عليه حفظ طرقاتها وعناوينها، وأرقام باصاتها، وامتدادات شوارعها، وتعابير وجوه أهلها عندما ينظرون إليه..
أورفا المدينة الصغيرة والنائية، منظّمة ونظيفة مثل أميرة سومرية تنتظر حبيبها الذاهب إلى الحرب، وتقضي أيامها بزراعة الورد وتوزيعه على الحدائق، التي لا تكاد تُعدّ ولا تحصى في أحيائها، أورفا المدينة المتجددة من آثار الرّها وحرّان القديمة، إلى عمائر قره كوبري الجديدة والجريئة في علوها كالجبال المحيطة بها!
ومثل حَمَام أورفا الهادئ، اجتمع الأصدقاء والمحبون للثقافة، وقرروا تأسيس صحيفة الحرمل، كنّا مجرد هاربين من قصف النظام، ومن إرهاب داعش، وكنّا حديثي عهد في لجوئنا الذي ابتدأ قبل أكثر من عامين!
خرجت الحرمل بإرادة مؤسسيها وكادرها، وبتضحياتهم الصادقة، وبمحبة أهل الثقافة والفكر، وبدعمهم الذي كان محرّضاً لطاقم الحرمل الذي يسير إلى استكمال السنة الثانية في إصدارها!
الحرمل صارت منتدانا وواحتنا، التي نلتقط فيها أنفاسنا، ونحن مطاردون من الأخبار اليومية المفجعة، والمتلاحقة التدفق إلى حدّ يفقد الواحد منا قدرته على التفكير والتركيز!
كانت صحيفة منازل التي أصدرناها في الرقة، محرّضة لإصدار الحرمل، ونرجو أن تكون الحرمل محفّزة لأهل المواهب والطموح، وأن تتطور باستمرار لتصبح منتدى للمهتمين، وللشباب، وللنساء، وللمهمشين من أبناء سورية، الذين رفضوا أن يكونوا مجرد تابعين لا رأي لهم، ولا طموح، ولا رؤيا تحاول تخليص البلاد من هذا الدمار المجنون، الذي يهيله النظام على بلدنا، ليصل إلى استقطاب كل أشرار العالم، ليستعرضوا إرهابهم وهمجيتهم فوق بيوتنا، وفوق مدننا، وقرانا التي طلبت الحرية، ولم تعد ترضى بالذلّ مهما كان الثمن!
في باحة متحف أورفا وقفتُ مع ابنتي الصغيرة بين الجدران العالية، الجدران المأخوذة من المعابد السومرية، والتي تشبه جدران قصر مدينة ماري، ذهلنا ونحن نسترجع ذكرياتنا عن آثار مدينة ماري التي زرناها ذات ربيع، وفوجئنا بمصمم متحف أورفا العبقري، الذي استخلص فكرة البناء السومري ليقدمه لنا، في أورفا، بجدرانه الشديدة العلو، وبفتحات متناهية الصغر تؤدي إلى قاعات كبيرة وعالية، قدّم لنا العمارة القديمة بحلّة جديدة، وبتقنيات حديثة، ولكن بروح ممتدة عبر الزمن البعيد، لتستخلص جمال التاريخ، وليس سوءات التاريخ وأكاذيبه ومجازره ووحشيته!
في اليوم التالي، ومن كراجات أورفا، أخذَنا باص ومضى بنا بعيداً عنها، عن أهلها الطيبين أمثال ويصل بولات، وعلي إمام، وأحمد جاكر، وجمعة آغاج، وعلي أوجان المبتسم دائماً.. أخذَنا بعيداً عن درناقها، وعن فليفلتها المشوية، بعيداً عن قلعتها العالية، وعن هاشميتها، وعن ساحة مدفعها، وعن زقزقة عصافيرها الجماعية وقت اقتراب المساء، وعن حَمَامها الكثير الذي يحرس السلام فيها…
وضعنا أمتعتنا المتبقية في حقائب… ومضينا بعيداً عن الإخوة، وعن الأصدقاء، وبعيداً عن الحرمل!
لم نستطع الالتفات إلى أورفا، ولا إلى جبال قره كوبري التي قضينا في غابتها أياماً رائعة، مع أصدقاء قلوبهم صافية، وعذبة مثل ماء الفرات.. ماء الفرات الذي وصفه القرآن الكريم كأعذب ماء يشربه أهل الجنة!

شاهد أيضاً

آرام كرابيت

في رواية ألف شمس مشرقة

من المؤسف أن الكثير يتعامل مع الأدب بحرفنة أو بحرفية عالية، وكأنها صنعة أو تكرار ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *