الرئيسية / تقارير إخبارية / سنة الثلج الأحمر
عيسى الشيخ حسن

سنة الثلج الأحمر

عيسى الشيخ حسن

في الأيام القليلة التي عشتها في «أبو الكالات» كانت «المهنّاوي» تهدينا شروق الشمس كل صباح، مع نسمة باردة، لا تلبث أن تذوب ونحن نركض وراء الدوابّ الساعية إلى البئر ساعة الوِرد.
بين «المهنّاوي» والرقة خطّ نظر أفقيّ مائل قليلاً، القرية ذات التلّة الواضحة لقرية أجدادي، كانت «المهنّاوي» نقطة علاّم بين مجموعة قرى متناثرة في السهل المنبسط وراء تلال الفرات. القرى التي انبنت ما بين الحربين على أطلال قبائل قديمة وآبار معطّلة في مسعى لتوطين القبائل الرحّل بعدما رُسِمت حدود الدول الجديدة.
كان ما يلفتنا صغاراً غير مراقبة السيارات الآتية من الرقة، أو الجبل الصغير جنوب القرية؛ ذاك الاسم المختلف والغريب عن القرى التي أخذت اسمها من البشر والحيوانات. تقول الحكاية إن سكان القرية في أثناء تحرير البئر (إصلاحه) وجدوا حجراً كُتِب عليه: «إن سألتم عنّا/ احْنا المهنّا/ قتلنا الثلج الأحمر في مربعانية القيظ»، تتفق الروايات الشحيحة أن سنة الثلج الأحمر قد حدثت عام 1910 وقد امتزجت برمال الخماسين الإفريقية، التي تمتدّ من شباط حتى حزيران في بعض المرّات حيث تبدأ مربعانية القيظ في الحسابات الفلكيّة، ويبدو الأمر منطقياً في الرواية الشفهية وفي مدوّنة الحجر التي روّتها الجماعة الآفلة، وقد رمى أحدهم وصية الجماعة في البئر. وكأنّ وصيّة الحجر ديدن عربي منذ كتب كليب وصيته الأخيرة إلى الزير في لحظاته الأخيرة.
إحدى عشرة كلمة توسّدت حجراً، ونامت في غيابة الجبّ حيناً من الزمان، ووجدت من يقرؤها بعد حين، ويعمل بما تضمره الوصية حين يسمّون المكان باسم جماعة آفلة، لم يُستدلّ على أجسادهم؛ أنامت في بطون الوحوش والطيور أم نامت عليها رمال الخماسين؟ إحدى عشرة كلمة، كتبها المدرّب وهلك دون حروف بقيت بعد كاتبها، إحدى عشرة كلمة دافعت عن مرمى البقاء وظفرت بقارئ بعد زمن، أعاد الجماعة المنقرضة إلى الحياة حين أُطلق اسمها على القرية، في بادرة وفاء للأمّة التي سبقت أختها.
بين الثلج الأحمر والجزيرة السورية علاقة ترويها شفاهيات الأجداد، يسمّونها أسماء مختلفة «الذرّاية» و»النهيبة» و»الثلجة الكبيرة» تحكي قسوة الطبيعة، التي زعزعت البنية الديمغرافية في حيّز من المكان، لم يصمد أهله البداة لظروف مناخية ليست في الحسبان، فـ»ـتغيّرت البلاد ومن عليها» ولكنّ سكّان الأرض الجدد مدّوا إلى سابقيهم حبلاً كريماً، حين سمّوا تلك القرية الوادعة ذلك الاسم. ولا أدري إن كان عرب «المهنّا» تلك القبيلة ذائعة الصيت أيّام المماليك، تجار الخيل والذهب وحرس القوافل، أم فرع من قبائل عربية بدوية أو حضرية في الشام والعراق.
أتذكّر هذا وخماسين الأحداث الجديدة وثلجها الأسود يدهم المكان مرّة أخرى، وبوادر فوضى ديمغرافية جديدة تلوح في الأفق، ولم يبق لنا إلا أن ندوّن على حجرٍ وفيّ مدوّنات إلى قارئ من زمن قادم.

شاهد أيضاً

آرام كرابيت

في رواية ألف شمس مشرقة

من المؤسف أن الكثير يتعامل مع الأدب بحرفنة أو بحرفية عالية، وكأنها صنعة أو تكرار ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *