الرئيسية / منوعات / تركيا الرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط!
بسام البليبل

تركيا الرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط!

لا بد أنّ دوائر صنع القرار الغربية عاكفةٌ اليوم على دراسة الحالة التركية الجديدة، إثر الانقلاب العسكري الفاشل، لاستخلاص العبر والنتائج، التي سيكون أولها: أنّ تركيا قد وأدت الانقلابات العسكرية إلى الأبد.
ولن يكون آخرها: أنّ تركيا ستعيد العالم إلى زمن الحرب الباردة، والقطبية الثنائية بشكلٍ فعلي، إذا ألجأها الغرب إلى ضرورة إعادة النظر في شراكاتها الاستراتيجية، ودفعها إلى العمل على بناء شراكات استراتيجية جديدة، بحكم الضرورة، ستكون روسيا والصين على رأسها.
وعندها ستهدد تركيا الغرب بخروجها من الحلف الأطلسي، الذي كانت تركيا رأس حربة له على حدوده الجنوبية، لأكثر من ستة عقود، وليس العكس، كما لوحت بذلك أمريكا محذرة تركيا بأنها قد تفقد عضويتها بحلف الناتو..!
لا شك أنّ تركيا اليوم ليست تركيا ما قبل محاولة الانقلاب الفاشل، في مساء الخامس عشر من تموز2016
تركيا التي كان الانقلاب العسكري يتم فيها بموجب مذكرة من الجيش إلى الحكومة كما في انقلاب1971، ليست تركيا اليوم التي واجهت فيه الدولة بكاملها محاولة الانقلاب، وخرج فيه كامل الشعب دفاعاً عن مكتسباته الديمقراطية، واستقراره السياسي، ونموه الاقتصادي، وحرياته المدنية.
الحقيقة أنّ ما حدث في تركيا لم يكن محاولة انقلاب داخلية، وإنما كان الحلقة الأخيرة في المخطط الغربي الهادف إلى تفكيك منطقة الشرق الأوسط، وإعادة تركيبها على أسس عرقية وطائفية ودينية، ومحاولة جادة لإسقاط رمزية الحالة التركية، على تجسيد قدرة دولة إسلامية أن تكون دولة ديمقراطية علمانية، تستطيع فصل الدين عن الدولة، دون أن تخسر هويتها.
وأن تكون واحدة من أقوى عشرين اقتصاداً في العالم، وأن تكون رقماً صعباً لا يمكن اختزاله في المعادلة السياسية للشرق الأوسط.
إنّ تجاوز الدول الأوربية لسقف الخطاب الرسمي مع تركيا بعد الانقلاب، والتهديدات الأمريكية المبطنة والعلنية، وموقف الصحافة الغربية المنحاز، يوضح حجم المؤامرة التي استهدفت تركيا، وحجم الصدمة من فشل الانقلاب، الذي سيشكل إعاقة حقيقية لمشروع التقسيم، واستكمال الهيمنة في المنطقة، والذي سيجبر الغرب على إعادة النظر في أساليبه التقليدية، ومراجعة مواقفه الأخلاقية، والتعامل مع تركيا كدولة ديمقراطية، يجب احترام إرادتها السياسية، ومصالحها الوطنية، وأمنها القومي.
إنّ حدوث انقلاب عسكري في تركيا، لا يعني عدم وجود ديمقراطية، كما يحلو للبعض أن يسوق، بل إنّ فشل هذا الانقلاب، بالطريقة التي تم فيها، يثبت مدى التطور الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، المتراكم إيجابياً عبر قرن من الزمان، وكيف أنّ الشعب التركي كان قادراً على استيعاب واحتضان التحولات الديمقراطية، حيث أدرك، لحظة الانقلاب، عبر كل شرائحه الاجتماعية والسياسية، أنّ الانقلاب يشكل خطراً أكيداً على الديمقراطية والاستقرار، هذا الإحساس الواعي الذي انعكس على موقف الشرطة والجيش، الذي أثبت، برفض أغلب كوادره للانقلاب، أنه كان وما زال وسيبقى الحامي لتركيا الوطن.
لذلك فإنّ الديمقراطية هي المنتصر الحقيقي في تركيا، بل الشعب التركي، الحامي لهذه الديمقراطية، بكافة مكوناته وأطيافه، وكذلك أحزاب المعارضة التي عبرت، برفضها الانقلاب، عن وعيها واستيعابها للصراع الديمقراطي السياسي، الذي يجب أن يظل ضمن حدود مصلحة الجماعة، والمصلحة العليا للوطن.
كما أنّ شجاعة السيد إردوغان، وأعضاء حكومته، وإيمانهم العميق بالشعب، كان عاملاً حاسماً في هذا الانتصار العظيم.
هذا الانتصار الذي كان بمثابة أكسير الحياة لشعوب دول الربيع العربي، ودعماً معنوياً وسياسيا للثورة السورية، لا يقدر بثمن، يضاف إلى ما سلف من أيادٍ بيضاء لتركيا عند الشعب السوري.

شاهد أيضاً

alharmal(54) 01-02-2017-1

صدور العدد 54 من مجلة الحرمل

صدور العدد 54 من #مجلة_الحرمل لتصفح وتحميل العدد عبر الرابط التالي https://goo.gl/q45hZx تقرؤون فيه: مشروع ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *