الرئيسية / اقتصاد / انهيار الليرة السورية ومحاولات بائسة لإحيائها؟!
image_76875_ar

انهيار الليرة السورية ومحاولات بائسة لإحيائها؟!

د. عبد القادر العلي

بالعودة إلى ثمانينات القرن الماضي، حين اختلف حافظ الأسد مع شقيقه رفعت، وأتباع كل منهما على السلطة في سوريا، أظهر هذا الخلاف أن الدولة واقتصادها ومجتمعها ما هي إلا رهينة بيد عائلة لا ترى في الدولة السورية إلا كغنيمة ارتُهِنت لحل خلاف بين أخوين، وحل المشكلة بينهما على حساب الشعب السوري، الخلاف الذي حصل بموجبه الأخ رفعت الأسد على خزينة الدولة إرضاءً له مقابل أن يترك البلد هو وأتباعه المخلصين، حينها بدأ يشعر الشعب السوري بقرب الكارثة التي بدأ يعيش فصولها في تدهور قيمة الليرة السورية، وبالتالي الاقتصاد، دون أن يستطيع الاقتصاد من يومها أن ينهض إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الخلاف بينهما.
لم يدرك الشعب السوري حينها حجم الرشوة التي دفعها الأخ الاكبر للأخ الأصغر لإرضائه، ولكن هيهات للنظام أن يغطي على فضيحته التي ظهرت فجأة على قيمة الليرة السورية خلال السنوات التي تلت الخلاف وطرد الأخ من سورية، حين انهار الاقتصاد كلياً تحت وطأة خزينة فارغة، وعملة منهارة، ورواتب بالكاد تسد رمق الموظف حتى طالت أصحاب الدخل العالي من أساتذة الجامعات، حين بدأوا يزاولون مهنة سائق تكسي ليرمموا ما تركه خلاف الأخوين حافظ ورفعت من أثر مدمر على لقمة العيش في حياتهم.
في عام ١٩٨٤ ميلادية، كان الدولار حينها يعادل أربع ليرات سورية، وكان الاقتصاد ما يزال ينمو بشكل معقول والأسعار كانت أيضاً مقبولة. حينها لم تتشكل بعد القوى التي تحالفت فيما بعد لتشكل القوى الثلاث التي بدأت تخنق الاقتصاد والسياسة الاقتصادية فوق الكارثة الأولى بين الأخوين. هذه القوى تأسست على خلفية انهيار العملة الوطنية، وهم الدائرة الضيقة حول عائلة الأسد، التجار المتنفذون لدى السلطة، وأجهزة الأمن التي بدأت تؤسس للفساد للجهتين الأوليتين.
في عام ١٩٨٧ميلادية، أصبح الدولار يعادل أكثر من خمسين ليرة سورية، وخلال أربع سنوات خسر المواطن السوري، أو الدولة السورية ما يعادل أكثر من عشرة أضعاف ميزانية الدولة، أو ما يعادل ما يستهلكه الشعب السوري خلال عشر سنوات، معجزة ، كيف أن الاقتصاد لم يتعرض للانهيار!؟ وذلك فقط لأن الشعب آنذاك حُرم من عيش كريم لسنوات، وكلنا يذكر كيف أصبح الحصول على علبة الزيت أو علبة المحارم من الرفاهية، ونزلت الواسطة إلى مستوى المواد الأولية، وبدأ الفساد يستشري بجميع مفاصل الدولة من أعلى الهرم الإداري السلطوي إلى حدود لقمة العيش لدى الفلاح ومربي الماشية والعامل في القطاعين العام والخاص.
بدأ الصراع يأخذ شكلاً تنافسياً لكسب رضى السلطة ورموزها على أعلى المستويات، ونتيجة لذلك بدأت البرجوازية السورية الكلاسيكية تتعرض للضغط من أجل تقديم تنازلات لمتسولي السلطة الجدد أكثر فأكثر، ومنذ ذلك الحين بدأت الليرة تهرب من سورية مرتدية عباءة الدولار إلى الدول المجاورة، مما فاقم في إضعافها داخل البلد بشكل كبير، لأن رصيد الشركات الخاصة من العملات الصعبة داخل البلاد أصبح أقل، وزاد الطلب على الدولار أكثر لتلبية متطلبات الاستيراد مما دفع قيمتها الشرائية نحو الهاوية.
حافظت الليرة على قيمتها مع الدولار على مستوى ١/ ٥٠ تحت ضغط النظام على أسواق الصرافة السوداء كما اصطلح على تسميتها، وساهم منع الاستيراد للكماليات بوقف تدهورها نهائياً لعدة سنوات، ولكن بقيت أسعار المواد الاستهلاكية في الارتفاع. من أسوأ ما فعله النظام خلال تلك السنوات لترميم قيمة الليرة السورية، هو احتكار المنتجات الزراعية، القمح والقطن تحديداً لارتفاع قيمتها في السوق العالمية، وبهذه الطريقة استطاع النظام تعويض الكثير من خلال الفارق السعري بين قيمتي الشراء من الفلاحين، وقيمة بيعه في السوق الدولية، فيكون بذلك قد غطى على جزء كبير من قيمة الليرة السورية الهاربة خارج البلاد وتعويضها بطباعة بنكنوتات جديدة وبقيم جديدة.
بدأ الاخطبوط الثلاثي الرؤوس بتشديد الخناق على أهم المفاصل الاقتصادية للدولة، فأصبح بعض ممن هم ضمن الدائرة الضيقة في تكوين مستعمرات اقتصادية داخل البلاد لا تخضع لأي شكل من أشكال المراقبة الحكومية على المواد الداخلة إلى البلاد أو الخارجة منها عبر موانئ خاصة لم تتوقف إلا بعد أن بدأت تشكل خطراً على النظام نفسه، حيث كلف حافظ ابنه بالهجوم بالأسلحة الثقيلة عليها لاستعادة هيبة الدولة ممن بدأوا ينخرون جسدها الاقتصادي. لم يكن الاستسلام من قبل رموز النظام لإرادة رأس النظام بسهولة، وكاد التاريخ يعيد نفس السيناريو الذي حصل مع الأخ قبل سنوات. لكن هيكلية الفساد التي أسسوا لها أقارب الرئيس من الدرجة الأولى، بدأت تبحث عن رأس جديد ومأمون الجانب ليستمر الفساد، وما كان من النظام إلا أن قدم الرجل المثالي لإدارة هيكل الفساد (رامي مخلوف وإخوانه)، أو ربما الأصح القول، إدارة دولة الفساد تحت يافطة إدارة الأعمال المعلنة كجزء من منظومة تربعت على رأس نظام الاستيراد والتصدير بشكل علني ودون تمويه كما كان في السابق. وهكذا تحولت العائلة من إدارة الدولة، إلى إدارة أموال الدولة عبر شركة مخلوف وبقية الفاسدين على جميع المستويات.

ما يقوم به النظام في الفترات الأخيرة من التلاعب بسعر الليرة يندرج في إطار استكمال اللعبة التي مارسها النظام طوال فترة حكمه، وأن يستنزف اقتصاد البلاد بأي طريقة كانت، وما التذبذب الذي تعيشه الليرة ما هو إلا عملية نهب واختلاس علنية لما تبقى من اقتصاد مهزوز بحرب أنهكته على مدى أكثر من خمس سنوات. كل عملية رفع قيمة الليرة، ثم تخفيضها، يعني ذهاب الملايين منها إلى جيوب أولئك الماسكين بخناق الخزينة والمصارف والتجارة. إن استيلاء آل مخلوف على منافذ التنفس الاقتصادي للدولة (استيراد، تصدير) أزال الحاجز بين الملكية الخاصة للنظام وبين أموال الدولة، وهكذا تحول الاقتصاد من اقتصاد دولة إلى اقتصاد عائلة.

شاهد أيضاً

المصرف السوري

النظام المصرفي السوري وصراع البقاء

عبد الفتاح الراكان منذ ما يقارب الخمس سنوات من الصراع المدمّر بالإضافة إلى العقوبات الدولية، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *