الرئيسية / اقتصاد / اقتصاد الطغاة
NB-33506-635398866887135768

اقتصاد الطغاة

د. عبد القادر العلي

عشت في الاتحاد السوفييتي عشر سنوات إلا ثلاثة أشهر، درست فيها اقتصاد السوق. كانت الأطروحة حول اقتصاد السوق الأوروبية والأمريكية، للتشابه الكبير بينها من حيث المبدأ والنهج الاقتصادي، واعتماد النظريات الاقتصادية نفسها تقريباً، واخترت بعض أكبر الشركات في القارتين لإجراء هذه الدراسة كشركات الحديد والصلب والسيارات والخدمات. عشت خلال هذه السنوات العشر كل مراحل تطور السوق السوفيتية من عز تحكم هذه السوق بكل شيء، من محلات دهان الأحذية إلى محلات الحلاقة، إلى صناعة الطائرات إلى سقوط النظام الاشتراكي وتهاويه دون أن ينعيه أحد، ولكن كانت شعوب بأكملها جاهزة للمشاركة بتعجيل دفنه وإلى الأبد.
لم يفكر أحد حينها، ما هو القادم؟ وكيف سيكون الحكم، هل سيكون أسوأ أم أفضل، ولكن لسان حال الجميع يردد: أبشع من القرد لم يخلق الله. ومما لاحظته، أن أكثر المندفعين للخلاص هم المسلمون، لأنهم حسب رأيهم، أنه نظام كافر، أما الروس، فمنهم من يريد العودة إلى الكنيسة والحكم القيصري، والقسم الثاني، يريد دولة ديمقراطية على غرار الدول الأوروبية الغربية، أما الطرف الثالث، فهم جماعة بوتين، الذين أرادوا حكماً يشبه الغرب شكلاً، والشرق مضموناً، ديمقراطية على الطريقة الروسية، حيث يرقص الرئيس، ويعزف الموسيقى، ويلعب الجودو، ويغني، ولكن يمكن أن يُقْتل رأس المعارضة الروسية على بعد مئتي متر عن الكريملن وسط النهار، ولا يستحق من رئيس الجمهورية الروسية المشاركة في عزائه، وهكذا ينتهي نهج معارض..
فقط، أيام القياصرة، كان السجن للمعارضة بعد محاكمة، وكان لينين أحد السجناء لدى القيصر، وأفرج عنه بعد انقضاء حكمه، ليعدم القيصر وعائلته في إحدى الغابات بعد انتصار الثورة الشيوعية، حتى الطفل المريض لم يشفع له مرضه ولا طفولته، هكذا تحولت الديمقراطية من عهد سابق إلى عهد لاحق، ليؤسس لعصر تمنى الروس بعده أن لا يكونوا أطلقوا طلقة واحدة نحو القيصرية.
وبالعودة إلى الناحية الاقتصادية، كنت في تناقض بيني وبين ما كنت أشاهده للدور الاقتصادي في التحكم في مجريات الحياة الاجتماعية بشكل عام، وانطلاقاً من الخلفية الفكرية الاشتراكية التي كنت أعتمد عليها في تحليلي للواقع الاقتصادي السائد آنذاك في الاتحاد السوفييتي، فإن ما كنت أراه من نفاد كامل للمواد الغذائية يجب أن يُسقط أقوى نظام في العالم. مرت سنوات عديدة والحال من سيء إلى أسوأ، إلا الفودكا كانت تتوفر أكثر فأكثر، ولكن الطوابير على محلات بيع الخمور أيضاً تزداد طولاً وعرضاً.
كل من أقام في موسكو، لا بد أنه تعرف على مكان اسمه البيريوسكا. هذا المكان متوفر فيه ما تشتهي النفس من كماليات ومشروبات وعطورات، وربما أشياء غذائية كما ذكروا رواد المكان. الأسعار فيه لم تتغير منذ عام ١٩٣٥م. هذا المكان مخصص لأعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية وضيوفهم من كل أنحاء العالم، ولا يحق للروس دخول المكان، ولهذا كانوا يتوسلون الأجانب للحصول على هدية أو قنينة عطر يهديها لصديقته في عيد ميلادها، وأنا كنت ممن استفاد من هذه الميزة، من خلال معرفتي ببعض الضيوف القادمين إلى فندق اللجنة المركزية.
لم يرَ ضيوف الاتحاد السوفييتي من الشيوعيين القادمين من بلدان الفقر إلى هناك سوى البيريوسكا والمسرح الكبير وبعض المتاحف، لذلك كانوا يعودون محملين بالإعجاب بنتائج الاشتراكية العظمى.
بدأ النظام الشيوعي في نهاية الثمانينيات باختلاق المبررات الاقتصادية، التي دأب على تكرارها، وهو يعرف أن هذه المبررات لم تعد تقنع أحداً، مع ذلك، استمر في تكرارها، لأنه أخذ مناعة تجاه تململ المجتمع من مثل هذه الأمور على مدى عقود. وصلتُ حينها لقناعة، أن كل النظريات الاقتصادية التي درستها لا قيمة لها، وأنها محض هراء في تحديدها مصير الطغاة، ولكنها قد تخلق الأرضية لثورات غير معروفة النتائج. والآن زادت قناعتي أكثر من قبل، بأن انهيار الاقتصاد ليس بالضرورة أن يؤدي إلى انهيار النظام الحاكم، ولكن يمكن لأطراف في الحكم، أن تستغل هذا الوضع للاقتصادي للانقلاب على النظام نفسه، في هذه الحالة، يمكن للقادم الجديد، أن يكسب تأييد المجتمع ويستمر في الحكم. هذا ما حدث في العراق أيضاً، لم يسقط النظام بسقوط الدينار العراقي إلى درجة أن الميزان للرزم النقدية أصبح هو الحل بدل العد اليدوي أو الآلي.
هكذا هي الحال في سورية اليوم، حيث تهبط الليرة دون توقف منذ ما يقارب الخمس سنوات، والنظام يحاول تعويض نقص القيمة السلعية للعملة بزيادة عدد الأوراق النقدية في راتب الموظف والعامل. في هذه الحالة، لا يعرف المواطن أو ربما يعرف، ولكنه لا يعرف القيمة الحقيقية لحجم السرقات التي يتعرض لها لتذهب مباشرة لخزينة النظام في كل مرة يُعلن فيها النظام عن زيادة للأجور!!!

شاهد أيضاً

المصرف السوري

النظام المصرفي السوري وصراع البقاء

عبد الفتاح الراكان منذ ما يقارب الخمس سنوات من الصراع المدمّر بالإضافة إلى العقوبات الدولية، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *