الرئيسية / اقتصاد / الفساد المقنون بين الإنتاج والاستهلاك..!
KONICA MINOLTA DIGITAL CAMERA
KONICA MINOLTA DIGITAL CAMERA

الفساد المقنون بين الإنتاج والاستهلاك..!

د. عبد القادر العلي

من مِنْ المواطنين السوريين لا يتذكر تلك البولمانات، «الكرانك»، ومثيلاتها في المحافظات الثانية؟!
كانت رمز عصر الأب القائد، الذي سيبقى محفوراً في ذاكرة السوريين طويلاً. زمن التحكم بالمواطن حتى في وسيلة التنقل إلى محافظة أخرى أو إلى العاصمة، يبحث عن وساطة ليجد المكان المناسب في ذلك البولمان!!
جاء الابن، وكأن الأب ترك البلاد من دون إرث يذكر عليه بخير، ويصبح كل جديد في حياتنا إنجازاً للابن، ويجب على الشعب أن يشكره على ما دأب إعلام النظام بتسميته بـ(المكرمة). نعم لقد عاش الشعب السوري عصر المكرمات الرئاسية، العيدية الرئاسية مكرمة، زيادة الراتب مكرمة، بناء مدرسة مكرمة، حديقة في المدينة مكرمة، فقط ما ينزل من السماء لم يكن مكرمة!!!
بدأ النظام يسمح بالاستثمار، ونظام الاستثمار تطلب بدوره إجراء تعديلات على نمط الإنتاج الاشتراكي، على غرار بعض أحزاب الاشتراكية العالمية، ولكن لم يجد ضالته إلّا في الصين، الأنموذج الأقرب له عقائدياً، وكانت التسمية للتوجه الجديد للابن الجديد، ولكن للنظام القديم بكل مقوماته (الاشتراكي الاجتماعي)، وكانت اللعبة الجديدة التي لعبها النظام عبر وكالاته الحزبية الجاهزة دائماً كحافة الجبل العالية أوكلت لها مهمة ترديد الصدى القادم من كهوف النظام المظلمة.
بدأ الفساد المخفي يطلّ برأسه عبر تطوير الفنادق، ووسائط النقل، وكل ما يمكن أن يدر الربح السريع على أزلام النظام وأعوانهم، أو ممن وكلهم النظام لإدارة استثماراته من العائلة الحاكمة. منذ ذلك اليوم بدأ نهب الثروات تحت مبرر الاستثمار. بدأت أجهزة النظام آنذاك سعيها المحموم مع تدفق أموال الخليج إلى البحث عن المستثمرين القادمين لتسهيل معاملات الاستثمار، مقابل حصص لهم في مشاريعهم. أصبح المستثمر رهين هذه الأجهزة الأمنية، بعد ذلك، يبدأون الضغط عليه والتحايل والنصب على نسب الأرباح، ليصبح المشروع خاسراً، ثم يعرضون عليه بيع حصته بمبلغ زهيد يضعونه كخيار أحادي لا مفر له من القبول به.
لم يكن تدعيم الاقتصاد الوطني عبر الإنتاج المتكامل إلى جانب تطوير الخدمات يوماً كخيار استراتيجي للنظام، لأن الإنتاج بخلاف الخدمات يتطلب رأسمال ثابت، في حين أن الخدمات رأسمال متحرك، وربحه مباشر، ولا يتطلب يداً عاملة كبيرة، مقارنة باليد العاملة في قطاع الإنتاج.
بقيت سورية جمهورية استهلاكية، خالية من أية صناعة تؤسس لبلد يكتفي بخيراته المتوفرة، ومعتمداً على طاقات أبنائه وقدراتهم الكبيرة.
بدأ إعلام النظام التركيز على السياحة منذ قدوم الابن إلى الحكم، لدرجة أن البرامج التي خُصصت للمطاعم والمقاهي والساحل والطقس والآثار تحتل وقتاً كبيراً من وسائل إعلامه، وهذا ليس عبثاً أو حباً بالسياحة بحد ذاتها، بقدر ما هي إلا طريقة لزيادة أرباح مالكي مقومات السياحة من فنادق ومطاعم وشركات النقل، زيتوني وشركاه وأشباههما. في حين أُهملت الزراعة تماماً، وبدأ النظام بتحطيم أسسها المتمثلة بتوفير أدواتها من آلات الزراعة وأسمدة وبذور، التي ارتفعت أسعارها إلى الحد الذي لم تعد الزراعة مفيدة للمزارع السوري، فانخفض الإنتاج إلى الحدود الدنيا، تحديداً في مجال زراعة القطن، تلك الثروة الوطنية التي يفترض بها أن تكون عماد الصناعة النسيجية في سوريا، كما كانت في العهد الوطني سابقاً.
لم يسعَ النظام لتطوير أي جانب من جوانب الاقتصاد الوطني، والتأسيس له بطريقة علمية، يحمي التوزع الديموغرافي للسكان في الأرياف والبادية، مما دفع كثير من الأيدي العاطلة عن العمل للهجرة إلى المدن، وتحول الريف الزراعي إلى مدن خالية إلّا من الاطفال وكبار السن، والمدن الكبيرة إلى مخزن لليد العاملة الرخيصة، أو الهجرة إلى البلدان المجاورة.
معمل الجرارات الزراعية «فرات» في حلب، خير مثال على درجة اهتمام الدولة بالزراعة وأدواتها، يمكن للمزارع الحصول على هذه الوسيلة بعد سنوات من الانتظار والمراجعات، وأصبحت الرشوة الوسيلة الوحيدة للحصول عليه. ظهور التجار والسماسرة في جميع محطات خدمة الزراعة، وضع الفلاح أمام أجهزة طفيلية بلا رقابة ولا محاسبة، تعتاش على جهده منذ بداية الموسم الزراعي إلى نهايته، ليحصل في النهاية على جزء من جهده السنوي بالكاد يغطي مصاريفه الأساسية. للتذكير فقط في عام ٢٠١٠ وحده تم تصدير أربعة ملايين خروف من فصيلة العواس إلى المملكة العربية السعودية. بعدها ارتفعت أسعار الخروف السوري إلى الضعف بحدود ألفي ريال سعودي، بسبب منع التصدير إليها. ولو قمنا بحساب بسيط لهذه المادة الغذائية الحيوية، لعرفنا حجم ما يمكن أن تدره التربية الحيوانية للخزينة. هكذا حول النظام سوريا، من بلد أنعم الله عليه بثروات متنوعة، إلى بلد يقف أبناؤه طوابير أمام الأفران بعد منتصف الليل ليحصلوا على ربطة الخبز.

شاهد أيضاً

المصرف السوري

النظام المصرفي السوري وصراع البقاء

عبد الفتاح الراكان منذ ما يقارب الخمس سنوات من الصراع المدمّر بالإضافة إلى العقوبات الدولية، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *