الرئيسية / اقتصاد / الأيدي الأمينة..!

الأيدي الأمينة..!

د. عبد القادر العلي

بدأت أعمال البحث والتنقيب عن النفط والغاز في سورية عام 1933. وفي عام 1956 تم أول تدفق تجاري من النفط في تركيب كراتشوك، وبدأ إنتاج النفط في سورية في أيار من عام 1968 بوصول أول برميل من النفط إلى ميناء طرطوس. وفي قطاع الغاز بدأت الشركة السورية للنفط باستثمار الغاز المرافق لتوليد الطاقة الكهربائية منذ عام 1975. وابتداءً من عام 1984 اكتشف النفط الخفيف في دير الزور بعد أن كانت معظم الاكتشافات قبل عام 1984 من النفط الثقيل في محافظة الحسكة (حقول الرميلان المعروفة). فحتى عام ٢٠١١م كان إنتاج النفط بحدود ٣٨٠ ألف برميل يومياً، وإنتاج الغاز ٣٠ مليون متر مكعب من الغاز يومياً حسب تصريحات رسمية لصحيفة الوطن. هذه الأرقام المتوفرة ولكن، ودائماً كانت الأيدي تقف حائلاً دون معرفة المزيد عن حجم التصدير، المردود المالي أو العائد من تصدير النفط ودوره في الاقتصاد الوطني!!!
النفط ليس نتاج جهد إنساني، بل نتاج جهد الطبيعة المجاني، المُهدى للبشر. وأن يكون بالصدفة نفط في بلد ما، هذا يعني أن البلد يمكن أن يعوض الكثير من نقص في مقدراته المادية في الطبيعة، وأن مستقبلاً واعداً ينتظر هذا البلد لتوفر هذه الثروة فيه.
قدر الشعب السوري، أن يصادف اكتشاف هذه النعمة الطبيعية مع قدر آخر، صار نقمة عليها وعلى نفطها، عائلة الأسد التي لم تدخر جهداً في وضع كل مقدرات البلاد تحت تصرفها ومن بينها ثروة النفط، الذي لم نرَ منه شيئاً على مدى عقود، تحت مصطلح (النفط في أيدٍ أمينة).
السؤال كان ممنوعاً عن النفط، وممنوع السؤال أيضاً عن طبيعة هذه الأيدي الأمينة، وهل هذه اليد الأمينة، أمينة فعلاً لدرجة أن الشعب لا يجب أن يعلم عنها شيئاً؟!! هنا يقودنا التساؤل إلى منطق الجواب، هل الشعب السوري ليس أميناً؟!! ولهذا يجب أن لا يعلم شيئاً عن النفط!! ولا يمكنه مجرد التفكير بهذه اليد الأمينة التي ألقت القبض على إحدى أهم مقدرات البلاد، ثروة النفط والغاز؟!
قال أحد الاقتصاديين: «الإنسان كائن اقتصادي». هذا التعبير يختصر طريقة التفكير لدى الإنسان العادي والمتعلم على حدٍ سواء، بمعنى أنه لا يمكن إلا أن يفكر بشكل اقتصادي، وليس بشكل آخر مهما حاولنا إقناعه. اقتصادي، يعني منفعي، أو مصلحي بغض النظر عن الجهة التي لمصلحتها يتجه هذا التفكير، ولهذا بقي الإنسان السوري يتساءل إلى اليوم، إلى أين ذهبت الأيدي الأمينة بهذا النفط والغاز السوريين على مدى عقود؟!
إن الحديث عن الاقتصاد عموماً في عهد آل الأسد ذو شجون، وتحديداً النفط والغاز السوريين. وتلك الأيادي التي تلطخت بالنفط، اليوم تتلطخ بالدماء، وتستخدم ما سرقته من أموال الشعب السوري لقتله. إن أكثر ما يعاديه الطغاة هي الأرقام التي تكشف وتفضح سرقاتهم، ولهذا يحاولون أن يُظهروا أرقاماً مزورة، تتناسب مع مستوى نهبهم لاقتصادات بلادهم. حتى يومنا هذا، بقيت أرقام كثيرة طي الكتمان، ولم تُعلن بصدق وشفافية للشعب السوري.
محافظة الحسكة، موطن النفط السوري الأول كانت وما زالت إلى ما قبل الثورة تفتقر إلى أية مقومات اقتصادية تنهض بها من مفهوم المناطق النائية، وظلّت تنوس بين تدني دخل الفرد والبطالة، والصحة والتعليم!! وبقيت رهينة المحاصيل الزراعية وصدفة الأمطار فيها، إلى أن حدث ما حدث فيها من تهجير لأغلب شبابها طلباً للرزق في باقي أصقاع الوطن وخارجه.
النفط والغاز، كان يمكن أن يكونا رافداً مهماً وإضافياً للاقتصاد الوطني، إضافة لما تتمتع به سوريا من تنوع في زراعاتها وغناها بالثروة الحيوانية، في الوقت الذي لم يكن حينها تعداد سكان سوريا يتجاوز العشرة ملايين نسمة. لقد أسرف النظام في سرقة وتبذير الثروات الوطنية على أفراد العائلة الحاكمة والمقربين منها. من منّا لا يذكر قصة حافظ الاسد مع أخيه رفعت الأسد ونهبه للخزينة السورية كشرط للخروج من البلاد؟! وكذلك الإشكال الذي حصل بين الحكومة السورية وحكومة فرنسا بعد الحادث الذي أودى بحياة باسل الأسد، حينها رفضت فرنسا إعادة ما يملكه باسل الأسد من رصيد في بنوكها، لعدم وجود وريث له، ليُحل الخلاف بطريقة سرية لم نعلم على إثرها، كم من الأموال ذهبت، وكم عادت لتودع في بنوك أخرى؟!
أي اقتصاد لا يحتمل الفساد، لأن التلاعب بالقوانين ممكن لفترة معينة، ولكن لا يمكن القفز عليها باعتبارها لعبة حبال مشدودة. للقوانين منطقها الحيادي والمُلزم لأتباعها، وهذا ما أوصل النظام البلاد إليه من بلاء؟!
إن امتلاك النفط شيء جيد، ولكن الأفضل استثماره بشكل أمثل، من خلال إنشاء صناعة نفطية متكاملة، وليس توفير البنزين والديزل وبعض المشتقات الأخرى. كما هو معلوم أن النفط يحتوي على أكثر من ٤٠٠ عنصر كيميائي، ولكن ليس في سوريا على مدى أربعين عاماً سوى محطتين لتكرير النفط، وظيفتها توفير المشتقات الأساسية المذكورة آنفاً! ولم يكن هم النظام وأزلامه سوى تمريره عبر الجغرافية السورية إلى موانئ التصدير، ليتحول إلى أرصدة في بنوك الغرب.

شخص واحد فقط، عضو مجلس الشعب، تجرأ وسأل عن مصير موارد النفط والغاز السوريين، ولكن بعد استراحة المجلس، عاد الأعضاء ولم يعد إلى كرسيه في المجلس!! إنه اللغز الذي لن يعرفه الشعب السوري، لأن اللصوص كانوا بارعين في إخفاء الأرقام الحقيقية عن حجم الإنتاج والتصدير، والمردود المالي وأين أودعت هذه الأرصدة؟! لقد استطاعت الأيدي الأمينة أن تكون آمنة على أموال شعبنا، ولكن دون أن يعرف عنها شيئاً!!

شاهد أيضاً

المصرف السوري

النظام المصرفي السوري وصراع البقاء

عبد الفتاح الراكان منذ ما يقارب الخمس سنوات من الصراع المدمّر بالإضافة إلى العقوبات الدولية، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *