الرئيسية / اقتصاد / النظام المصرفي السوري وصراع البقاء
المصرف السوري

النظام المصرفي السوري وصراع البقاء

عبد الفتاح الراكان

منذ ما يقارب الخمس سنوات من الصراع المدمّر بالإضافة إلى العقوبات الدولية، نجد أن الاقتصاد السوري يمر بحالة من الفوضى والعشوائية أثّرت بشكل كبير في السياسة النقدية والمالية والائتمانية. ومع ذلك، خلافًا لكل التوقعات الأمريكية والأوروبية، نلاحظ المصارف السورية نجت إلى حد كبير من تلك العاصفة.
على الرغم من أنّ البنوك السورية قد تلقت بالفعل ضربة قوية، وعانت من الانكماش الاقتصادي والعقوبات الدولية، ومن غياب الاستثمارات العامة والخاصة، لكنّ البنوك الستة المملوكة للنظام لم توقف احتكارها وعملياتها المصرفية.
وبالإضافة إلى ذلك، 14 من المصارف الخاصة، وهي فروع للبنوك الإقليمية العربية في لبنان، والأردن، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والكويت، والبحرين التي تحمّلت الدمار المادي لفروعها ومكاتبها في المدن التي تعاني من العنف والسرقة من قِبل العصابات وميليشيات كلا الجانبين المتحاربين، بالإضافة إلى عمليات تفتيش صارمة من قبل النظام على العملات الأجنبية واختلاس من قِبل بعض موظفيها، ونتيجة لصعوبة التخارج من هذا الوضع الاقتصادي المتدهور قررت البقاء لحين حسم الصراع، وستبقى على الأرجح لفترة طويلة.
وإذا بحثنا في سبب هذه المرونة يعيدنا إلى التغييرات الجذرية في القطاع المصرفي في البلاد في العقد الذي سبق ثورة عام 2011 والمتمثل في قرار الحكومة بتحرير القطاع المصرفي في عام 2003 بعد تسليم السلطة إلى وريث عرش أبيه بشار الأسد بعد وفاة والده في عام 2000، يكون النظام بهذا الوضع قد أنهى، من الناحية الفنية، احتكار الدولة للنظام المالي الذي يعود تاريخه إلى تأميم المصارف الخاصة في سوريا في ستينيات القرن الماضي. وبالعودة لنقطة التحول الاقتصادي كانت هذه اللحظة الفاصلة للاقتصاد السوري لتكون بذلك جزءاً من خطة الحكومة «ظاهرياً» للتحرك نحو اقتصاد السوق الاجتماعي، مع رؤية تبني مبادئ السوق الرأسمالية في نهاية الأمر.
لم يكن هدف بشار سوى تجديد العقود الثلاثة من الهيكل الشعبي في «النهوض السلطوي» إلى انتهاج سياسات مالية واقتصادية ليبرالية جديدة. الهدف منها ليس تحويل الاقتصاد السوري إلى سوق رأسمالي مفتوح كما روج النظام، ولكن الهدف الحقيقي هو تحويل الأصول العامة في نهاية المطاف إلى شبكة من الرأسماليين المقربين من النظام من خلال التخلي ظاهرياً عن السياسات الاشتراكية في عصر ما بعد الشعبوية الذي بلغ ذروته مع إنشاء سوق دمشق للأوراق المالية في عام 2009. وبذلك ارتفع عدد الشركات المدرجة في البورصة منذ ذلك الوقت، حتى بعد عام 2011، وتضم حالياً 23 شركة تغطي قطاعات مثل وسائل النقل، ووسائل الإعلام، والصناعة، والزراعة، والخدمات المصرفية والتأمين.
لم يكن الهدف من إصلاح النظام المالي هو القضاء على وجود البنوك العامة في البلاد في حين أن هناك ستة بنوك مملوكة للدولة، لكن المصرف التجاري السوري لا يزال الأكبر في البلاد من حيث الأصول والعمليات والخدمات، ويصل رأس مال البنك إلى 7 مليارات ليرة سورية (ما يقرب من 1.55 مليار دولار في قيمة ما قبل الصراع التي وصلت إلى 45 ليرة سورية/ الدولار الأمريكي) وهو بذلك يتجاوز القيمة المجمعة من رأس المال للمصارف الخاصة في سوريا. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى مركزية المعاملات والودائع المالية الحكومية في البنك، واحتكار البنك التجاري السوري لميزانية وإيرادات الدولة السورية مستثنية بذلك مشاركة البنوك الخاصة والقطاع الخاص من المشاركة في مشاريع التنمية بالبلاد على جميع الأصعدة.
أعاد النظام المصرفي السوري الخاص الذي أنشئ حديثاً توزيع حصة السوق الاحتكارية من المصارف العامة مع المقرضين من القطاع الخاص، مع الحفاظ على درجة من الحماية لتحافظ البنوك المملوكة للدولة على احتكار الخدمات المصرفية والنقدية. وكان هذا الإجراء جزءاً مما يطلق «الطريق الوسط» الذي يسمح بتوسع ظاهري للقطاع الخاص في حين إصلاح جوهري للشركات المصرفية المملوكة للدولة.
نتيجةً لهذه البيئة المناسبة جذبت البنوك الخاصة المزدهرة رجال الأعمال من أصحاب النفوذ السياسي، بمن في ذلك العديد من اللصوص السياسيين السابقين وكبار مسؤولي الأمن المرتشين، والشركاء الطبيعيين للمستثمرين من المؤسسات الأجنبية التي طُلب منها ملكية سورية بنسبة 49% للحصول على رخصة العمل حتى عام 2010. ومن خلال استعراض شامل للإفصاحات التي قدمتها المصارف الخاصة المدرجة في سوق دمشق للأوراق المالية تشير إلى وجود اتجاه مماثل، حيث يمتلك بعض من رجال الأعمال السوريين البارزين، وبعضهم تمّت معاقبته بسبب دعمه للنظام السوري، عدداً كبيراً من الأسهم إلى جانب كونهم أعضاء بمجالس الإدارة في العديد من البنوك. وهناك ما لا يقل عن 23 من المستثمرين الذين تجاوزت أسهم الملكية الخاصة بهم مليون سهم. ومع أكثر من 36 مليون سهم بشكل إجمالي، فإنّ هؤلاء الأفراد يشكلون 4.5% على الأقل من الأسهم الشاملة للمصارف الخاصة و11% من ملكية الأسهم الكلية للمستثمرين.
هذا هو عرَض من أعراض ظهور جيل جديد من اللصوص «رجال أعمال النظام»، الذين تحولت علاقتهم مع الدولة من تحالف الأمر الواقع منذ وصول بشار الأسد إلى السلطة إلى العمود الفقري المالي المركزي للنظام الآن. ومن خلال المشاريع التجارية المشتركة وزواج المتعة والسفاح بين أفراد السلطة ولصوصها، نتج عن هذا التحالف هيمنة اللصوص من رجال أعمال النظام على القطاعات المربحة، بما في ذلك الطاقة، والخدمات المصرفية والمالية، والبناء، والسياحة، ومشاريع البنية التحتية، وهذا بدوره ضمن البقاء الاقتصادي للنظام السوري.
بالرغم من كل الجهودهم الرامية إلى عزل النظام السوري، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على عشرات من رجال الأعمال اللذين يمثلون واجهة فاسدة للمسؤولين الأمنيين والسياسيين، وبعض منهم من حملة الأسهم وأعضاء مجلس الإدارة لهذه المصارف الخاصة. وكان الهدف من هذه العقوبات هو قطع العلاقات الوثيقة بين الأعمال التجارية والتمويلات السياسة للنظام. ومع ذلك، فشلت هذه السياسة إلى حد كبير لأن معظم رجال الأعمال لديهم استثمارات كبيرة داخل البلاد تفوق أصولهم ومصالحهم التجارية في الخارج. وبذلك أدت علاقتهم الوثيقة مع النخبة السياسية الحاكمة إلى الإسهام بشكل كبير في بقاء نظام الأسد.
أكثر من أربع سنوات من العقوبات الصارمة لم تؤدِ إلى تخلي كتلة كبيرة من رجال الأعمال عن النظام السوري. في حين أنّ البعض قرر تصفية استثماراته في هذه البنوك، لكنّ البعض الآخر زادوا استثماراتهم على الرغم من المخاطر التشغيلية والأمنية والمخاطر المتعلقة بسمعة البلاد. وبالإضافة إلى ذلك، الاستثمارات الكبيرة التي قاموا بها، والحاجة إلى خطة إعادة إعمار للبلاد بتمويل خاص وعالمي بعد انتهاء الصراع ستتجاوز توقعات الخروج من البلاد. ومن المفارقات أن إعادة بناء سوريا في المستقبل قد تكمن بين أيدي هؤلاء المستثمرين، إلا إذا قررت الحكومة الجديدة مصادرة أصول رجال أعمال النظام وتوجيه ضربة قوية لهذا القطيع من اللصوص.

شاهد أيضاً

الأيدي الأمينة..!

د. عبد القادر العلي بدأت أعمال البحث والتنقيب عن النفط والغاز في سورية عام 1933. ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *